يرى كورنياوان عارف مسبول أن موقف السعودية في جنيف خلال أكتوبر الماضي شكّل لحظة فارقة في مسار الحرب السودانية، حين تحدثت الرياض بوضوح نادر عن فظائع الصراع. وأدان المبعوث السعودي، أمام دبلوماسيين ومسؤولين إنسانيين، هجوم قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، واصفًا إياه بـ«الخطير»، وطالب بفتح فوري للممرات الإنسانية، وندد بالاعتداءات على المدنيين وعمال الإغاثة والبنية التحتية.
يوضح ميدل إيست مونيتور أن هذا الخطاب تلاقى مع تحذيرات مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الذي دعا إلى تحرك عاجل لمنع ارتكاب فظائع جماعية بعد أكثر من 500 يوم من الحصار في شمال دارفور، حيث قصفت الأسواق، واستهدفت المساجد، وداهمت مخيمات النازحين، ونزح عشرات الآلاف مرة أخرى في إقليم أنهكته الميليشيات.
اقتصاد الحرب: الذهب وقوات الدعم السريع
لا تُعد قوات الدعم السريع مجرد ميليشيا تقليدية، بل نشأت من رحم مليشيات الجنجويد في عهد عمر البشير، ثم تطورت إلى كيان هجين يجمع بين القوة شبه العسكرية والإمبراطورية الاقتصادية والدولة الموازية. وتحت قيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، رسخت هذه القوات سيطرتها على قطاع الذهب السوداني، وأدارت عشرات الشركات العاملة في التعدين والبنية التحتية.
تشير تحقيقات بحثية إلى أن عائدات الذهب قبل التصدير تجاوزت 1.6 مليار دولار بحلول عام 2024، فيما وصف خبراء الذهب بأنه المصدر المالي الأهم لأطراف الصراع. وينتقل هذا الذهب عبر تشاد وليبيا ومصر، ليستقر في كثير من الأحيان داخل أسواق الخليج. وتقدّر التحقيقات دخول نحو 29 طنًا من الذهب السوداني إلى دبي خلال عام واحد فقط، بزيادة سنوية تقارب 70%، رغم تصاعد العقوبات. وهكذا يتحول الذهب إلى وقود مباشر لاستمرار القتال.
حسابات الرياض: من الإدانة إلى الاستراتيجية
تعكس الإدانة السعودية إدراكًا متزايدًا بأن عدم الاستقرار في السودان لم يعد قابلًا للاحتواء. فدولة منهارة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر تهدد طرق التجارة، وتفاقم تدفقات اللاجئين، وتفتح المجال لملاذات مسلحة. وقد خصصت السعودية عشرة ملايين دولار عبر مفوضية اللاجئين لإعادة تأهيل البنية المائية في السودان، حيث يفتقر الملايين إلى مياه الشرب الآمنة.
في المقابل، يبدو المشهد الإقليمي منقسمًا؛ إذ تدعم مصر الجيش السوداني، بينما تُتهم الإمارات بالحفاظ على قنوات اتصال مع قوات الدعم السريع، خاصة عبر تجارة الذهب. وتتحرك قوى أخرى مثل تركيا وقطر وروسيا وفق مصالح متباينة. وسط هذا التشظي، تحتفظ السعودية بموقع فريد، إذ تبقي قنواتها مفتوحة مع طرفي الصراع، ولا تُصنف كحليف كامل لهذا المحور أو ذاك، ما يمنحها هامشًا دبلوماسيًا قابلًا للتوظيف.
مسارات الاستقرار: من تجفيف التمويل إلى إعادة الدمج
تشير تجارب دولية وأفريقية إلى أن إنهاء الصراعات لا ينجح عبر السلاح وحده. وتبرز أهمية تفكيك اقتصاد الحرب، عبر استهداف نقاط الاختناق المالية بدل الاكتفاء بالمواجهات العسكرية. وتمتلك المراكز المالية في الخليج، خاصة المعنية بتكرير وتجارة الذهب، مفاتيح حاسمة في هذا المسار، من خلال تشديد قواعد مكافحة غسل الأموال، وضمان شفافية سلاسل التوريد، وتنسيق العقوبات بصرامة.
لكن الضغوط المالية دون أفق سياسي قد تدفع المقاتلين إلى مزيد من التشبث بالسلاح. لذلك، يتطلب المسار الواقعي الجمع بين وقف مشروط لإطلاق النار، وانسحابات مراقبة، وحزم لإعادة دمج المقاتلين، وآليات مساءلة عن الجرائم الجسيمة، دون نسف فرص التفاوض.
كما يمكن للرياض أن تلعب دورًا محوريًا في بناء توافق إقليمي يضم مصر والإمارات والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بهدف منع انهيار الدولة السودانية. وقد يسهم وجود استقرار أمني محدود ومحايد، خاضع لسلطة مدنية سودانية وبجدول زمني واضح، في طمأنة المجتمعات المحلية ومنع الفراغ الأمني.
رهانات إقليمية وأخلاقية
يتجاوز رهان استقرار السودان حدوده الجغرافية؛ إذ يشكل البحر الأحمر شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، بينما تُثقل موجات اللجوء كاهل دول الجوار. وفي المقابل، يمكن لسودان مستقر، غني بالأراضي الزراعية والموارد المعدنية، أن يصبح ركيزة للأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي الإقليمي.
وتبقى دارفور شاهدًا أخلاقيًا ثقيلًا على الدبلوماسية الدولية. فاحتراق الأسواق والمساجد في الفاشر يعيد طرح سؤال المسؤولية. ويخلص الكاتب إلى أن بيان جنيف فتح بابًا مهمًا، لكن تحويله إلى سلام حقيقي يتطلب مواءمة المصالح، بحيث تصبح كلفة الاستقرار أقل من كلفة العنف، ويُستخدم الذهب والدبلوماسية وإعادة الإعمار لبناء دولة تليق بشعبها ومكانتها في المنطقة، لا لتمويل حرب بلا نهاية.
https://www.middleeastmonitor.com/20260212-khartoum-wake-up-call-how-riyadh-will-stabilise-sudan/

